نهر الخوابي.. شريان الحياة المهدد
ينبع نهر الخوابي من ينابيع تقع في السفوح الشرقية لجبال القدموس شمال محافظة طرطوس، متجهًا جنوبًا وغربًا، مخترقًا عدداً من القرى والبلدات الخضراء مثل كفرية وبيت عبدو وبيت ديبة والعديد من القرى الأخرى، قبل أن يصب مياهه في نهر الغمقة المتجه نحو البحر الأبيض المتوسط بالقرب من مدينة طرطوس. لطالما امتاز النهر بطبيعته الجميلة وجريانه الدائم، وكان على مر العقود مصدر حياة للزراعة والسكان، يروي بساتين الزيتون والحمضيات ويغذي التربة بالمياه العذبة، إلا أنه اليوم يواجه تحديًا بيئيًا متزايدًا نتيجة النشاط البشري غير المنضبط.
مصادر التلوث وأسبابه
تعد معاصر الزيتون من أبرز الأنشطة الاقتصادية في ريف طرطوس، خاصة في موسم العصر بين شهري تشرين الأول وكانون الأول، وعلى الرغم من أهميتها الاقتصادية، فهي تمثل أيضًا أحد أهم مصادر التلوث الموسمية للنهر. خلال عملية العصر، تنتج المخلفات السائلة، المعروفة بمياه الزيبار، وهي سائلة داكنة اللون ذات رائحة قوية، تحتوي على سكريات وبروتينات وأحماض دهنية ومركبات فينولية ودهون وزيوت وأملاح معدنية، وحموضة عالية تجعلها غير صالحة للحياة المائية. تصريف هذه المياه في النهر دون معالجة يقلل الأوكسجين ويعيق نمو النباتات المائية، ما يؤدي إلى تراجع التنوع البيولوجي.
المخلفات الصلبة من المعاصر، مثل الجفت والبذور والقشور، عند تكديسها قرب مجرى النهر، تتسرب منها عصارات زيتية إلى التربة والمياه الجوفية، مع انبعاث روائح غير محببة وجذب الحشرات، ما يزيد من تدهور النظام البيئي. كما تساهم مياه الصرف الصحي التي تُصرف مباشرة من القرى دون معالجة في تلوث النهر، إذ تحتوي على كميات كبيرة من البكتيريا والمواد العضوية التي تستهلك الأوكسجين، مسببة تدهور البيئة وانتشار الروائح.
إلى جانب ذلك، يُلاحظ رمي النفايات المنزلية والبلاستيكية بشكل عشوائي في مجرى النهر، بما في ذلك الأكياس والعلب وبقايا الطعام، مما يعيق حركة المياه ويؤدي إلى ركودها، كما تتحلل هذه المواد ببطء لتصبح جزيئات دقيقة تدخل السلسلة الغذائية. الإفراط في استخدام الأسمدة والمبيدات في الأراضي الزراعية المجاورة يرفع نسبة النيتروجين والفوسفور في المياه، ما يؤدي إلى نمو مفرط للطحالب مسببة نقص الأوكسجين وظاهرة الاختناق البيئي، كما تمثل المبيدات خطرًا على صحة الإنسان عند استخدام مياه النهر لري المحاصيل.
التأثير التراكمي للمخلفات
لا يقتصر أثر المخلفات على الموسم فقط، بل يمتد عبر السنوات، حيث تتجمع المواد الزيتية والعضوية في قاع النهر وعلى ضفافه، مانعة الأوكسجين من الوصول للأعماق ومحدودة نشاط الكائنات الدقيقة المفيدة. مع مرور الوقت، تتحول الرواسب إلى طبقة طينية سوداء لزجة تطلق غازات نتيجة التحلل، مسببة روائح غير محببة وتدهور النظام البيئي. يؤدي التراكم أيضًا إلى ركود المياه وزيادة ملوحة التربة على الضفاف، ما يؤثر على خصوبة الأراضي، وانتقال الملوثات إلى المياه الجوفية مهددًا مصادر الشرب. الوقاية هنا تصبح ضرورة ملحة، إذ لا يمكن استعادة توازن النهر بسهولة بعد تراكم المخلفات.
الحلول والإجراءات العملية
يمكن الحد من هذه المشكلة عبر تطوير أنظمة العصر الحديثة بدل الطرق التقليدية، ما يقلل كمية المخلفات السائلة ويحسن جودة الزيت. كما يمكن معالجة المياه قبل التصريف باستخدام أحواض ترسيب بسيطة لفصل الزيوت والمواد العضوية وإعادة استخدامها في أغراض غير زراعية، مع إدارة المخلفات الصلبة من خلال تحويل بقايا العصر إلى سماد عضوي أو استخدامها كوقود بعد التجفيف بدل رميها قرب مجرى المياه. إلى جانب ذلك، يبقى نشر الوعي البيئي بين أصحاب المعاصر والمجتمع المحلي أمرًا جوهريًا، حيث يسهم الالتزام بالمعايير البسيطة في حماية النهر. وتلعب البلديات والجهات المعنية دورًا محوريًا في متابعة تنفيذ هذه الإجراءات، وتقديم الدعم الفني والمادي، وتعزيز الرقابة لمنع رمي النفايات، وإطلاق مشاريع صغيرة لمعالجة المياه وإعادة تأهيل المجاري المائية.
خاتمة: مسؤوليتنا جماعية
نهر الخوابي ليس مجرد مجرى ماء، بل هو ذاكرة وجمال ومستقبل المنطقة. حمايته مسؤولية جماعية تبدأ من كل فرد يعيش قربه أو يستفيد منه. فلنحافظ عليه اليوم، كي يبقى غدًا شاهدًا على توازن الإنسان والطبيعة في أرضنا.