فريق قرية البريخية … قصة بناء من قلب الأرض
ملامح المكان وروح القرية
قرية البريخية، القابعة بهدوء في أحضان الدريكيش، ليست مجرد بقعة خضراء تفيض بالرمان والجوز والتين، بل مكان يحتفظ بروح الناس الذين زرعوا الأرض وتركوا فيها شيئاً منهم. بجمال ينابيعه وخصوبة ترابه وغنى ناسه، تبدو القرية كأنها تتنفس حياة لا تنتهي، حياة يصنعها أهلها ومعلموها ومهندسوها وأطباؤها ومغتربوها الذين حملوا قريتهم معهم أينما ذهبوا.
البدايات… حين تحولت الفكرة إلى مبادرة
ومن هذه الروح بدأت الحكاية. فكرة بسيطة خطرت لأحد أبناء القرية، الدكتور منير شحود، ثم كبرت مع أشخاص آمنوا بأن العمل الأهلي قادر على أن يغيّر أكثر مما نتخيل. لم تكن الفكرة سوى محاولة لتنظيم طاقات الشباب والشابات ووضعها في مكانها الصحيح، لتتحول إلى قوة حقيقية تدفع القرية إلى الأمام. ومع الوقت، ظهرت مجموعات فيسبوك وواتس آب لتسهيل النقاش والتخطيط وتبادل الأفكار، كطريقة بسيطة وفعالة لتقريب المسافات بين أبناء القرية.
تنظيم الجهود… الفريق الذي صنع المسار
ولأن الأفكار تحتاج دائماً إلى جسور تعبرها إلى الواقع، تشكّل فريق عمل مدني بجهود منسقين ولجان عديدة تضم أشخاصاً يعرفون ما يحتاجه المكان جيداً. تواصلٌ مستمر مع الأهالي والمغتربين، تنظيم قانوني يضمن الشفافية، لقاءات فكرية تعيد إحياء الوعي المجتمعي، أنشطة ثقافية وترفيهية ورياضية تجمع الأطفال والشباب، ولجان اجتماعية تمد يد العون لمن يحتاجها وتدير التبرعات بشفافية تبني ثقة حقيقية مع المتبرعين. كما نشأت مبادرات بيئية للحفاظ على جمال القرية وتشجيع زراعة الأعشاب الطبية والفطر، وجهود صحية وفّرت أدوات أساسية كأجهزة الضغط والسكر والرذاذ والإسعافات الأولية. وفي التعليم، كانت المبرة مركزاً لجهود كبيرة قدّمت القرطاسية والوسائل التعليمية وخلقت بيئة أفضل للطلاب. وحتى المشاريع الصغيرة وجدت من يدعمها عبر قروض بسيطة أعادت الحياة لإنتاج العائلات، مع مكتب توثيق يسجل كل خطوة ليبقى هذا العمل ذاكرة حيّة لتنظيم أهلي حقيقي.
المرأة… حضور يغيّر ويقود
وبين كل تلك التفاصيل، كان حضور المرأة واضحاً، حقيقياً ومؤثراً. لم تكن مجرد مشاركة رمزية؛ بل كانت جزءاً أصيلاً من كل خطوة: في التعليم، في الصحة، في الأنشطة الثقافية، وفي الدعم الاجتماعي. ساهمت في تعليم الطلاب وصناعة المبادرات وتحريك العمل الأهلي من مكانه الهادئ إلى حيث يصبح أكثر تأثيراً. أثبتت نساء البريخية أن التنمية لا تقوم دونهن، وأنهن قادرات على صنع فرق حقيقي أينما وجد العمل الجماعي.
تحديات البداية… وعناد الاستمرار
بالطبع، لم يكن الطريق سهلاً. لم يفتقر فقط للموارد، بل واجه أيضاً نظرات استهزاء وعدم فهم لفكرة المجتمع المدني. لكن مع الإصرار، ومع اتساع المشاركة، تغيّر كل شيء تدريجياً. بدأت النتائج تظهر، وبدأت الثقة تكبر، وبدأ الناس يرون أن الجهد الذي يُبذل ليس نشاطاً عابراً بل مساراً طويل الأمد. صارت الاجتماعات في مبرة القرية مساحة للكلام، للأفكار، للخطط، ولولادة مشاريع صغيرة أثمرت لاحقاً.
المغتربون… اليد التي تبقى ممدودة رغم البعد
ومع كل ذلك، بقي للمغتربين دور كبير. بعضهم دعم ماليّاً، بعضهم وقف مع المبادرات التعليمية والصحية، وبعضهم حمل اسم القرية إلى الخارج ليربطها بعالم أكبر. كانت يدهم الممدودة من بعيد دليلاً على أن الانتماء لا يضعفه البعد.
نحو الغد… آمال تتسع مع كل خطوة
واليوم، ينظر المجتمع المحلي في البريخية إلى المستقبل بثقة. هناك رغبة في المزيد: دعم المرأة المنتجة، مشاريع صغيرة أكثر فعالية، بيئة أفضل، تعليم أقوى، ومبادرات تجعل القرية نموذجاً ريفياً قادراً على الاعتماد على نفسه. فالبريخية ليست مجرد مكان جميل بين الجبال؛ إنها قصة أُناس آمنوا بأن التنمية يمكن أن تولد من فكرة صغيرة، وأن الأرض عندما تُحب تُثمر، وأن التعاون وحده القادر على فتح الطريق نحو غدٍ أفضل.