طلاب الساحل بين التحديات...والبحث عن فرصة آمنة
مدخل شخصي
لطالما كان التماسك المجتمعي والسلم الأهلي هما الركيزة التي تقوم عليها المجتمعات في مسيرة التعافي والنهوض. وفي المناطق التي مرّت بتجارب قاسية وهزّات اجتماعية، لم تعد هذه الركائز ثابتة كما كانت، بل أصبحت تحتاج إلى ترميم ومساحات ثقة تُبنى من جديد.
ورغم أن مرحلة الاضطراب الواسع قد هدأت، إلا أن آثارها لا تزال واضحة في تفاصيل الحياة اليومية، وتظهر اليوم على شكل تحديات لا يمكن التعامل معها كأحداث عابرة.
ساحل يعيش على حافة القلق
في الفترة الأخيرة، شهد الساحل سلسلة من الظروف التي جعلت الإحساس بالأمان أكثر هشاشة. لم يعد القلق شعوراً طارئاً، بل أصبح حالة ترافق الناس في يومياتهم: في طريقة الأهالي بمراقبة أبنائهم، في تردد الطلاب بالانتقال بين المناطق، وفي ذلك التوجّس الذي يسكن أحاديث الناس عن المستقبل.
هذا المناخ المرهق جعل العائلات أكثر تمسكاً بالبقاء ضمن مناطقها، وأكثر حذراً في أي قرار يتعلق بالسفر أو العمل أو الدراسة. ومع أن الحياة مستمرة بطبيعتها، إلا أن الطمأنينة لم تعد بديهية، بل باتت شيئاً يسعى الناس لاستعادته خطوة بخطوة.
الطلاب..الفئة الأكثر تأثراً
ضمن هذه الظروف، يبدو الطلاب (من المرحلة الثانوية وصولاً إلى الجامعة) الأكثر عرضة لتغيّر المسار وضيق الخيارات.
فهؤلاء الشباب يقفون اليوم أمام مفترق طرق، لكن قراراتهم لا تُبنى على رغبة أو طموح، بل على ما هو “الأكثر أماناً”.
اختيارات جامعية محكومة بالظروف
عند التقدّم إلى المفاضلة الجامعية، لا يختار عدد كبير من طلاب الساحل الفرع الذي يحلمون به أو الجامعة التي خططوا لها، بل غالباً يختارون ما هو متاح داخل نطاق الساحل فقط.
وفي محافظة طرطوس تحديداً، تصبح الخيارات أكثر ضيقاً بسبب محدودية الفروع الجامعية مقارنة بباقي المحافظات، ما يزيد الضغط كل عام ويقلّص فرص الطلاب بشكل مؤلم.
الخوف من التنقّل بين المحافظات، وتقلّبات الطرق، جعلت كثيراً من الطلاب يحصرون أحلامهم داخل حدود ضيقة لا تشبه قدراتهم ولا طموحاتهم.
غياب يتحوّل إلى رسوب
طلاب الجامعات الذين يدرسون خارج طرطوس ووجدوا أنفسهم غير قادرين على المتابعة خلال الفترة الأخيرة بسبب الظروف، اعتُبروا راسبين لهذا العام، رغم أن غيابهم لم يكن خياراً، بل نتيجة وضع استثنائي فرض نفسه.
والمشهد لم يختلف كثيراً لدى طلاب الشهادات (أساسي وثانوي) الذين بدأوا عاماً دراسياً كاملاً من الدروس والمعاهد، ثم توقفت العملية التعليمية بشكل مفاجئ، فتأجّلت امتحاناتهم للعام القادم، وكأن جهداً كاملاً أُلغي بضربة واحدة.
فاقد تعليمي مقلق في المدارس
المدارس في الساحل أيضاً واجهت انقطاعات متكررة خلال الفترة الأخيرة، ما خلق فجوة تعليمية واسعة.
ومع اعتماد المناهج السورية على التراكم المعرفي، يعني هذا أن كثيراً من الطلاب سيدخلون السنوات المقبلة وهم يفتقدون أساسيات لا يمكن تجاوزها بسهولة.
دور المجتمع المدني.. حاجة لا رفاهية
أمام هذه التحديات المتزايدة وتآكل الثقة المجتمعية، يبرز الدور الحيوي للمنظمات والمبادرات المدنية والإعلام المحلي.
هذه الجهات قادرة على: (دعم العملية التعليمية وتعويض الفاقد - تأمين مساحات دعم نفسي واجتماعي للطلاب -تنظيم حملات وورشات تُعيد بناء الروابط بين الناس - نشر الوعي وتعزيز ثقافة الحوار - ومع تكامل هذه الجهود، يمكن خلق بيئة تساعد الطلاب على استعادة توازنهم، والعودة إلى المسار الذي يستحقونه)
خاتمة
رغم صعوبة المرحلة، يبقى الأمل قائماً، فالساحل ممتلئ بطاقة شبابه، وبقوة ناسه، وبقدرة مجتمعه على الوقوف من جديد.
ومتى التقت جهود الأهل، والمؤسسات التعليمية، والمبادرات المدنية، والإعلام المحلي… عندها فقط يستطيع المجتمع أن يعبر هذه المرحلة ويبدأ رحلة تعافٍ حقيقية نحو مستقبل أكثر استقراراً ووضوحاً.