تم نسخ الرابط!
في بيئة شعبية بسيطة يعيش السيد م.ع بين عائالت تعتمد في رزقها على العمل الحر والمياومة، خصوصا ً النساء اللواتي لم تتح لهن
فرصة متابعة تعليمهن الجامعي، فاكتفين بالشهادة الإعدادية أو الثانوية، ثم بدأن رحلة البحث عن مصدر دخل، غالبا ً في أعمال مرهقة
ومتعبة ولا تخلو من الظلم.
كانت الكثير من النساء تعملن في المنازل، أو الأفران، أو مواسم الزيتون، أو مشاغل الخياطة والأعمال اليدوية، أو أعمال التنظيف
في المكاتب، لكن معظمهن كن يتعرضن لنوع من الابتزاز: أجر منقوص، أو أجر مؤجل لا يأتي، أو ساعات عمل طويلة بلا تعويض.
والأصعب أن الكثير من النساء كن يقبلن بذلك لأنهن لا يعرفن كيف يطالبن بحقوقهن، أو لأن الجهل بالقانون يجعل صاحب العمل
هو الأقوى دائما… عقد إذعان صريح: القوي يتحكم بالضعيف.
فكرة بسيطة… محاولة لحماية الناس
معرفة السيد م.ع بكل هذه المظالم لم تبقِه متفرجاً. قرر أن يفعل شيئا ً يُعيد لهذه النساء بعضا ً من حقوقهن، فخطرت له فكرة تأسيس
مكتب مختص بتنظيم العمالة، يربط العامل بصاحب العمل عبر عقد عمل واضح ومكتوب: أجر كامل، إجازات مدفوعة، عطل
أسبوعية، بدل نقل، تعويضات، عدد ساعات العمل… كل ذلك بطريقة تحمي العامل اولاً، وتحمي صاحب العمل أيضا ً من أي خالف
محتمل، عبر مكتب وساطة يتولى حل النزاعات قبل الوصول للقضاء.
لم تكن الفكرة مجرد تنظيم إداري، بل محاولة لتعديل ميزان القوة، ومحاولة أولى لوقف استغلال النساء اللواتي يعملن بلا سند قانوني.
القانون… ثغرة واسعة والناس خارج الحماية
استشار السيد م.ع أحد المحامين المختصين، المحامي و.ي، الذي أكّد أن قضايا المياومين من أكثر القضايا المسكوت عنها، برغم
أنها تطال شريحة واسعة من الناس، خصوصا ً في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
شرح المحامي أن قانون العمل السوري رقم 17 لعام 2010 لا يشمل فعليا ً العمال المياومين، لأنه يشترط وجود عقد مكتوب. أما
المياوم الذي يعمل بلا عقد فهو خارج المظلّة القانونية: لا تأمينات اجتماعية، لا ضمان صحي، لا إجازات، لا عطل مأجورة، ولا
تعويض إن أصيب أثناء العمل. باختصار: العامل المياوم عامل بلا حماية.
كيف يُثبت العامل حقه؟ الطريق صعب ومكلف
عندما سأل السيد م.ع عن إمكانية تثبيت الحقوق، أوضح المحامي أن هناك إمكانية قانونية، لكنها ليست سهلة. يمكن للعامل إثبات
علاقة العمل عبر شهود أو إيصالات أو رسائل مالية، وعندها يمكن المطالبة بالأجور أو التعويض أو حقوق نهاية الخدمة، لكن هذه
معركة قانونية مرهقة ومكلفة، وغالبية المياومين يخشون خوضها خوفا ً من خسارة عملهم أو من تكاليف المحاماة.
ما الحل؟ بين التشريع والوعي
اختتم المحامي اللقاء بالإشارة إلى حلول ممكنة، تبدأ من تعديل قانون العمل ليشمل حتى العمال الموسميين والمياومين، وإدخالهم في
نظام الحماية الاجتماعية. وهذا يتطلب ضغطا ً من النقابات ومنظمات المجتمع المدني لتنظيم سوق العمل غير الرسمي.
كما شدّد على أهمية نشر التوعية القانونية بين العمال وأرباب العمل لضمان حد أدنى من الحقوق، فالقانون وحده لا يكفي إن بقي
الناس يجهلون حقوقهم.
وفي نهاية اللقاء، قدّم المحامي نموذجا ً لعقد عمل مكتوب يمكن اعتماده لضمان حقوق الطرفين، خطوة صغيرة نحو الحد ّ من ضياع
الحقوق، وفتح باب لحماية العامالت اللواتي طالما عملن في الظل بلا أمان.